البيتكيون حلال أم حرام؟

0 410

أثارت عُملة البيتكوين على الكثير من المُشكلات والتسؤلات حول ماهيتها وطبيعة عملها ونشأتها ومؤسسها وكًل شئ. وتطرقت هذه التسؤلات لكى تشمل حكم الشريعة الإسلامية فى إستثمار عُملات البيتكوين، وما تُصرح به دار الإفتاء من فتاوى مبنية على سند قوى تفيد تحليل أو تحريم عمليات الربح من وراء بيع وشراء وإستثمار وتداول وتحويل عُملات البيتكوين. لذلك عملنا جاهدين أن نُقدم فى هذا المقال الغنى جميع الآراء المُتداولة والمُتضاربة أيضاً بكل حيادية وشفافية حول حكم الشريعة الإسلامية فى العُملات الإفتراضية بشكل عام والبيتكوين بشكل خاص ومُركز.

البيتكوين والدين الإسلامى
البيتكوين من العُملات الإلكترونية الأكثر شهرة وإنتشار وإقبال على مُستوى العالم كله. فقد تم طرحها فى الأسواق المالية الإقتصادية عام 2009، وهى تُعد عُملة إفتراضية إلكترونية بشكل كامل 100% ولا ترتبط أى إرتباط فى خواصها مع العُملات الورقية من حيث الوجود الفيزيائى الملموس. يتم الحصول على عُملات البيتكوين من خلال عملية مُعقدة إلى حد ما تُسمى عملية التعدين. تعتمد هذه العملية على مجموعة من البرمجيات والحسابات المُتطورة التى يتم تشغيلها على أجهزة كومبيوتر عالية التطور والحداثة، حيث إنها تستهلك فى معالجتها الكثير من الطاقة الكهربائية. عمليات التداول والإستثمار فى البيتكوين وتحويلها من محفظة إلى آخرى تتم بشكل حر تماماً بدون اللجوء إلى أى مؤسسات مركزية أو رقابية، وذلك نابع من إيمان مؤسسى عالم البيتكوين بضرورة وجود سوق مالى حُر طليق من القيود المالية وخارج من عباءة البنوك المركزية المحتكرة للنظام المالى فى العالم. تطورت عُملة البيتكوين بشكل كبير على مدار الأعوام من بداية ظهورها إلى الآن حيث أنها قفزت للكثير من القفزات السعرية إلى أن وصلت إلى القيمة السعرية لها بحوالى 15 ألف دولار أمريكى مُقابل واحد بيتكوين. بهذا وصلت البيتكوين إلى أعلى الأسعار وأصبح يتم إستخدامها فى شراء المنتجات والتبضع من خلال الماستر كارد الخاص بها وما إلى ذلك. قُدرت النسبة المئوية لتداول وإستثمار عُملات البيتكوين حوالى 40% على مُستوى العالم، مما يدل على أخذ عُملات البيتكوين لحجم كبير من إستثمارات العالم وهذا بالطبع آدى إلى إهتمام وسائل الإعلام بها وتوجه أعين العالم الإقتصادى كُله إلى إستثمارتها. لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، ولكن بحكم أننا شعوب عربية إسلامية تحكمنا الشريعة الإسلامية فتم تسليط الضوء على عُملات البيتكوين بحُكم إنها عُملة أول مرة يتم التعرض لمثيلها وبحكم الكثير من الإشاعات والقصص والحقائق التى تدور حول البيتكوين. فيظل السؤال الأكثر أهمية وإلحاحاً لشعوبنا العربية الإسلامية: هل إستثمار البيتكوين حرام أم حلال شرعاً؟

إستثمار البيتكوين، هل هو حلال؟
قبل البدء فى عرض الفتاوى والآراء التى تُفيد إثبات أن عملة البيتكوين حلال أوحرام طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، يجب الإعتراف أن هناك بعض الإرتباك بخصوص رأى الدين الإسلامى حول تداول وإستثمار البيتكوين. لأنه يجب وضع إختلاف العُملات الإفتراضية عن العُملات الورقية فى عين الإعتبار.

إستثمار البيتكوين، هل هو حلال؟

توجد الكثير من الفتاوى التى تُفيد أن البيتكوين حلال طبقاً للشريعة الإسلامية وذلك للأسباب التالية:

• القيمة الجوهرية
ترتبط قوانين الشريعة الإسلامية فى الأمور المالية والعُملات بضرورة وجود قيمة جوهرية للعُملة. عملة البيتكوين لها قيمة جوهرية فى ذاتها وتتناسب هذه القيمة الجوهرية تناسب طردى مع مدى سهولة أو صعوبة الحصول على العُملة. للتبسيط كانت عملة البيتكوين عام 2009 تُقدر بحوالى 0.30 دولار أمريكى وذلك لأن عملية التعدين والحصول على عُملات البيتكوين عملية بسيطة جداً. كانت تقوم عملية التعدين آنذاك على وجود جهاز كمبيوتر وطاقة كهربائية عادية. أما الآن بسبب التطور التكنولوجى وإنتشار عُملى البيتكوين وإقبال الكثيرين على تداول عُملات البيتكوين فأصبحت عملية التعدين صعبة ومعقدة وتحتاج إلى أجهزة كمبيوتر عالية التطور إلى حد كبير، لهذا السبب أصبحت القيمة السعرية للبيتكوين الآن تُقدر بـ15 ألف دولار أمريكى. لذلك يرى موقع Stackexchange  أن تداول وإستثمار البيتكوين حلال طبقاً للشريعة الإسلامية بحكم سند هذا السبب.

• وسائل الحصول على عُملات البيتكوين
بُناء عى حكم الفتوى رقم: 231460 لدار الإفتاء، أكدت إنه إذا كان الحصول على هذه العُملات الإفتراضية مثل عمليات التعدين والتنقيب يتم بشكل سليم بعيد عن التلاعب والغش والسرقة والنصب، فيجوز إدراجها تحت بنود العُملات المُحللة. فالنقود الإفتراضية التى يتم تداولها عبر شبكات الإنترنت فقط تختلف عن النقود الورقية كما ذكرنا من قبل، لذلك عملية إستبدالها بعملة آخرى أو شراءها أو بيعها يُعد شكلاً من أشكال الصرف والذى يُعتبر حلالاً بحكم ما ورد فى الفتوى وفى الشريعة الإسلامية ولكن بشرط التقابض وهو ما يحدث مع تداول عُملات البيتكوين، كما أن الإستثمارات الناتجة من أرباح عمليات بيع وشراء البيتكوين من ضمن الأسباب التى تثبت تحليل عملات البيتكوين، حيث إنه إذا كُنت شخص سليم النية ستقوم بإستثمار أرباحك بما يُرضى الله ولأن الله أعلم بالنوايا ستُحتسب فى ميزان حسناتك.

• لا حرج من دفع عمولات تحويل العملات
كما هو شائع بالنسبة للبعض أن دفع العُمولات عبر شبكات الإنترنت مقابل خدمات تحويل أو شراء عُملات البيتكوين يُعد شكل من أشكال الربا غير المسموح بها. لكن إستناداُ إلى ما تم ذكره بحسب الفتوى رقم 259576 أن لا هناك أى حرج على دفع مثل هذه العمولات. حيث إنك تدفع مُقابل حصولك على خدمة معينة بما فيها خدمات تحويل وشراء عُملات البيتكوين الإفتراضية.

• الطبيعة الإنكماشية لعُملات البيتكوين
كما ذُكر أيضاُ عبر موقع الفتاوى Stackexchange  أن عُملات البيتكوين مثلها مثل أى عُملة آخرى لها طبيعة إنكماشية. نقصد بالطبيعة الإنكماشية هو التذبذب فى الأسعار ما بين إرتفاع للقيمة السعرية وإنخفاض للقيمة السعرية بُناء على الحالة الإقتصادية العالمية ومدى إقبال الجمهور المُتعامل معها على شراء أو بيع العُملة. وهذا يدل على مصداقية العُملة وخضوعها لتغيرات السوق والعُملاء مثلها مثل سوق الذهب بالظبط.

إستثمار البيتكوين، هل هو حرام؟

كما تعودنا من عُملة البيتكوين إنها تُقسم الناس دائماً أى قسمين وفريقين لهم أفكار ومُعتقدات تختلف بإختلاف الشرق عن الغرب. لذلك كما ظهرت بعض الفتاوى التى كانت تُثبت وجهة نظر تحليل تداول وإستثمار عُملات البيتكوين وفقاُ لأحكام وسندات الشريعة الإسلامية. ظهرت أيضاً بعض الفتاوى التى تُثبت تحريم تداول وإستثمار عُملات البيتكوين، وذلك للأسباب التالية:

• عدم الإعتراف بها من قبل الجهات المُختصة
إستناداً إلى قول الإمام ابن تيمية: ’’الدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانا بخلاف سائر الأموال، فإن – هذه الاموال – المقصود الإنتفاع بها نفسها”. وفى وقتنا الحالى لا تعتمد تداول وإستثمار العُملات إلا بموجب إعتراف وموافقة من قبل الجهات المُختصة وعلى رأسها البنوك المركزية. وبحسب ما قُيل من قبل البنوك المركزية إنه لم يتم الإعتراف بعد بعُملات البيتكوين الإفتراضية كعٌملات صالحة للتداول والإستثمار. وطبقاً لذلك تُحرم عمليات التداول والإستثمار للبيتكوين.

• إستثمار البيتكوين يُعتبر مُقامرة
طبقاُ إلى رأى أستاذ الفقه د/جلوى الجميعة أن عُملات البيتكوين ما هى إلا عُملات يتم إستخدامها للمقامرة. حيث أن عُملات البيتكوين هى عُملات إفتراضية إلكترونية ليس لها أى سند أو غطاء من الذهب أو الفضة وبالتالى هى فى حُكم الدين تُعتبر سلعة مجهولة المصدر. وبالتالى تتيح حدوث الكثير من عمليات النصب والإحتيال نتيجة لعدم وجود أى جهات رقابية تراقب سير عملية التداول والإستثمار الخاصة بالعملات. كما نهى الرسول تماماً عن مثل هذا النوع من الإستثمار عندما قال ”  صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الانعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل أو وزن، ونهى عن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص”.

• عدم الإفصاح عن هوية البائع والمُشترى
أكدت السلطة الدينية الإسلامية فى تركيا أن عمليات الإستثمار والتداول فى عملات البيتكوين الإفتراضية تنطوى فى داخلها على توافر عنصر الجهالة الذى نهى عنه الرسول لمنع وقوع مشكلات ولتجنب النزاعات القائمة على الأموال ولتجنب إغراء الشيطان لمحاولات السرقة والنصب. صرحت السلطة الدينية التركية أنه يجب أن تكون هوية البائع والمشترى واضحة ومُعلنة، كما هى مُعلنة فى عمليات التداول فى البنوك العادية. فوجود وسيط بنكى يُضفى على المُعاملات المالية نوع من الآمان والخصوصية والسلامة. كما أو وجود الهيئات الرقابية يُمكنها من مراقبة عملية الإستثمار والتداول وبالتالى يُمكن مُقايضة من يقوم بعمليات النصب والإحتيال.

• غطاء تمويلى لداعش
قامت دار الإفتاء المصرية بتصريح أن عمليات الإستثمار والتداول فى البيتكوين تُعتبر عمليات مُحرمة من قبل الدين والشرع حيث إنها تعمل كغطاء لتمويل داعش وعصابات المُخدرات. كما لعدم وجود هيئات حكومية وبنوك مركزية كان لذلك آثر رهيب على إستخدام إستثمارات البيتكوين فى عمليات غسيل الأموال والتى بالطبع نهانا الرسول عنها، بل ويُحاسب عليها القانون أيضاً.

د.سعد العنزي
أن عُملات البيتكوين موضوع شائك لابد من إحسام أمره فى أقرب وقت لأننا بصدد قضية غير محسومة أبداً ما بين فريق تأييد تحريم التداول فى عُملات البيتكوين وما بين فريق تحريم الإستثمار فى عُملات البيتكوين الإفتراضية. تحليل أو تحريم إستثمارات البيتكوين مجال واسع ومفتوح للمناقشة. إنتبهت إليه دار الإفتاء فى الآونة الأخيرة بسبب تسليط الضوء على عُملات البيتكوين بشكل كبير ليس فقط فى مُجتمعاتنا العربية ولكن أيضاً بشكل شامل للعالم كله. ما يُزيد من الأمر حيرة هو منطقية كلا من الأسباب التى تؤيد التحليل وأيضاً الأسباب التى تؤيد التحريم. نشعر تماماً بالحيرة والإرتباك الذى تشعر به عزيزى القارئ ونود أن نُطلعك على الرأى الصحيح الأكيد، ولكن للأسف لم تُقرر الهيئات المُختصة قراراها بشأن عملات البيتكوين بشكل حاسم وقاطع. نتمنى أن يكون هذا المقال بمثابة صوت وسط الظلام للهيئات والمنظمات الإسلامية ودار الإفتاء أيضاً أن يُمعنوا البحث والدراسة بشكل أعمق وأكبر عن عُملات البيتكوين. نترك لكم الحكم.

التعليقات
Loading...